السعيد شنوقة

355

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

سمى وحكم ، ولكن نقول : هدى الخلق أجمعين بأن دلّهم وبيّن لهم وأنه هدى المؤمنين بما يزيدهم من ألطافه وذلك ثواب يفعله بهم في الدنيا « 1 » . فاللطف هداية يزيد الله عز وجل المؤمنين بإيمانهم فوائد وألطاف أي غمرهم سبحانه بعنايته فدلهم إلى الصواب لأن تكليف العباد يقتضي منه إزاحة العلل « 2 » ، وتيسير الأسباب التي تجعل المكلف أقرب إلى فعل ما كلف به . فالمعتزلة يرون أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعلة لا ترجع إليه سبحانه لغناه عن ذلك وعدم حاجته إليه ، وإنما ترجع العلة إلى الخلق لتتحقق منفعتهم « 3 » . ولكي يتم تحقيقها لا بدّ من أن يقدرهم الله عز وجل على فعل ما هو واجب . قال جمهور المعتزلة : إنه لا يفعل بالعباد كلهم إلا ما هو أصلح لهم في دنياهم وأدعى لهم إلى العمل بما أمرهم به ، وإنه لا يدّخر عنهم شيئا يعلم أنهم يحتاجون إليه في أداء ما كلفهم أداءه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة التي يستحقون عليها ثوابه الذي وعدهم « 4 » ، وعلى هذا ذهب الزمخشري في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] إلى أن ما اختص به المؤمنون من صفة التقوى « استوجبوا بها من الله أن يلطف بهم ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم » « 5 » . فالحالة التي عليها المؤمنون استوجبت لطف الله تعالى الذي إذا فعله سبحانه وفّق العبد لمزيد من الإيمان إذ لا تخلو أفعال الله عند المعتزلة من ألطاف تقوي الدواعي وتزيد الصوارف ، وبهذا يتمكن الإنسان من اختيار الواجب وتجنب القبيح . أو كما قال القاضي عبد الجبار قبله حين عرّف اللطف : « هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار أو إلى ترك القبيح » « 6 » . وقد أكد القاضي عبد الجبار على ضرورة اللطف التي استوجبها الزمخشري بعده فقال : « إنه تعالى إذا كلف المكلف وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب وعلم أن في مقدوره ما لو فعل به لاختار

--> ( 1 ) الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 324 - 325 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 313 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 318 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص 313 . ( 5 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 138 ، 139 . ( 6 ) شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 187 .